‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
السبت، 9 أغسطس 2014

المكتبة والمقرأة والشفة

أليس من الغريب أن يسمى المكان الذي تمارس فيه القراءة أو يسعى لها مكتبة عوضا عن مقرأة؟ قد يقول قائل إن السبب هو كونها تحتضن الكتب، لكن هذا مردود عليه، فصياغة اسم المكان على وزن \'\'مفعلة\'\' تقتضي أن نشاط المكان هو الكتابة لا عرض الكتب لأن الجذر الذي اعتمد عليه هو كتب، يكتب. لماذا لم تسمَ مقرأة إذا؟ أحد الأسباب هو كون المقرأة تستخدم للمكان الذي يستعمل لترتيل قراءة القرآن الكريم وحفظه، وهذا عذر مشروع لعدم استخدام الكلمة، لكن رويدا، فإذا كان المقرأة والمكتبة لدينا جاءتا في زمن متقارب مع تباشير الإسلام، لم سميت المكتبة مكتبة والمقرأة مقرأة، فالقرآن الكريم هو الكتاب الأجدر بالقراءة والتفكر والتأمل فلم لم تسم أماكن قراءته بالمكتبات؟ إذا عدنا إلى تكوين ثقافة العرب نجد أنها كانت ومازالت ويبدو أنها ستظل شفهية بصورة لافتة ومثيرة للقلق في آن. ولولا الإسلام لظللنا أميين نعتمد على الذاكرة الفردية المتناقلة وما أقل موثوقيتها. أحسن وسيلة لقياس ورصد هذه النزعة الشفهية تكمن في الأمثال؛ فيقال في المثل العامي "العلم في الراس مش في الكراس"، بينما تقول أمم أخرى العكس Don't say it, but write it لا تقلها، بل اكتبها." الأمثلة لا تنتهي، ألم تلاحظوا أننا العرب ونظراءنا في الدول الثالثة نميل إلى الثرثرة أكثر من غيرنا؟ الأمر طبيعي، فكلما قل المستوى الثقافي زادت نزعة الثرثرة والتخاطب الشفهي، ثم أليست الثرثرة من الوصوم التي تلصق بالنساء؟ إنها محصلة طبيعية كونهن يتلقين حظا أقل من عمليات التحديث الثقافي، وهي عملية لا ترتبط بالتعليم بالضرورة. أصلحوا الثقافة وسيصلح معها البيان. هذه الثقافة الشفهية - أينما وجدت - ترى أن القراءة هي ذاتها الكلام! وهذا صحيح، ألم يقل الله عز وجل للمصطفى "اقرأ"، كثير من المفسرين يرون أن اقرأ هنا بمعنى رتّل أو قل، وأبسط دليل حيث تطلب من أحد أن "يقرأ عليك" سورة كذا أو المعلقة الفلانية فإنه سيرتلها أو يسردها عن ظهر قلب ولن يقرأ من مصدر مكتوب لأن نسيج الثقافات الشفهية يرى أن لا قراءة إلا قراءة اللسان. طبعا كون القرآن الكريم استعمل القراءة بمعناها الشفهي هذا لا يعني أنه أمر للتمسك بذلك، بل هو مجرد بيان للحال وتوافق مع البيئة التي نزل فيها وعندها، وما أجمل فهم الصحابة رضوان اللهم عليهم وتابعيهم لأمر، فازدهرت المكتبات والتوثيقات في عصورهم رغم شوائب ثقافة الشفة. وطالما استمرت هذه الشفاهية، وطالما ظللنا ننظر إلى القراءة أنها القراءة بالشفة لا القراءة من مصدر مكتوب، سنظل نعامل المكتبات أنها مستودعات لتكديس أوعية ورقية - أو حتى إلكترونية - يرجع لها حال الاضطرار الدراسي، أما المرجعيات المعلوماتية فتؤخذ من شفة أبي فلان، ومن المقهى، ومن فني تصليح السيارة لا من مرجعياتها المعتمدة، للأسف. لا شيء أكثر لفتا من تخلفنا "المكتبي" سوى فوضى المصطلحات لدينا، فمكتبة تستخدم كمرادف للـlibrary وهي المكان الذي تتوافر فيه الكتب وغيرها من أوعية المعرفة للقراءة والاستعارة وغالبا ما تكون غير هادفة للربح، و للـ bookstore وهي المكتبات التي تبيع الكتب أو بتعبير أدق "متاجر الكتب"، وللـ stationary shop أو محلات القرطاسية ففي الثقافة الشفهية لا فرق بينهما فكلها أكداس من قراطيس!، و للـ bookcase وهي أرفف الكتب التي توجد في المنازل مثلا. وما بين "تكديس" أوعية المعرفة و"تقديس" ثقافتنا الشفهية، وما بين المكتبة والشفة، مزالق كثيرة.

15 سؤالا و جوابا في فضيلة التفلسف

" لا تتفلسف!"، عبارة تقرع طلبة أذن الموجهة إليه معلنة عن ارتكابه لجريمة نكراء شعبياً وهي التفلسف. ف"الفيلسوف"، "المتفلسف"، و" فيلسوف زمانه"، كلها عبارات إسكاتية استئصالية تستخدم عندما يضيق المستمع ذرعا بما يسمع أو ربما بما لا يفهم. وبغض النظر شؤم رغبة البعض في إسكات الآخر، فان الفلسفة يحق لها أن تطالب بتعويض على ما ينوبها من الاستعمال الشعبي لاسمها. اختبرني " إنترنتيا ً " أحد المهتمين بالفلسفة بأسئلة لم يجز لي إلا أن "أتفلسف" بها علناَ في محاولة لتصحيح المفهوم العامي المغلوط، علنا نتفلسف من دون أن نتخوّف. 1- ما المقصود بالقول " لا توجد فلسفة ، بل تفلسف " ؟
الفلسفة لا توجد من دون أن يتفلسف احدهم، إي أن الفلسفة صنيعة التفلسف.


2- الفلسفة معجزة يونانية خالصة " ما الخطأ في هذا القول ؟
المشكلة تكمن في كلمة "خالصة"، هذه كلمة استحواذية إقصائية. اليونانيون كانت لهم الريادة في الفلسفة، لكن من حكرها عليهم؟ أرسطو كان سيغضب كثيرا لو سمع هذا الكلام. المشكلة الأكبر في كلمة "معجزة". فلو توفر لأي شعب المناخ العام اليوناني لوجدنا الفلسفة بذات الازدهار. الأمر لا يتعلق بال DNA الخاص باليونانيين. أسلوب التفكير هذا بمثابة بطاقة طرد حمراء لجميع اللاعبين الآخرين في ملعب التفلسف.


3 - أذكر خصائص الفلسفة المذهبية التي تميزها عن الفلسفة الخاصة .
الفلسفة الخاصة هي فلسفة "فلان"، و هي في النهاية - كما يفترض- فلسفة لها الخصائص الأساسية المفروض توافرها في الفلسفة. الفلسفة المذهبية هي فلسفة فلان و "شركاؤه". متى ما توفر الشركاء والأتباع صار الشخصي "مجموعيا". و وجود الشركاء ليسوا بالضرورة كون الفلسفة شعبية. فالفلسفة المذهبية ليست جماهيرية بالضرورة، و كثير من الفلاسفة ماتوا مهمومين من قلة التقدير، ففكر الفلاسفة يتخطى الحواجز "الزمكانية"، ونادرا ما يجد "فلان" من يقاسمه رأس مال "شركته" غير الشعبية. كلما كان المتواجدون في المحيط افهم لهذه الحقيقة،كلما عجل ذلك بتحول الشخصي إلى مذهبي لكنه لا يضمن هذا التحول بالضرورة.


4- ما أوجه الاختلاف بين الفلسفة والدين ؟
الفلسفة يخط فكرها شخص أو أشخاص. الدين يأتي من مصدر إلهي.

5- لماذا توافق أو لا توافق على قول السوفسطائيين " إن القيم نسبية متغيرة بتغير الزمان والمكان " ؟

نعم + لا = لعم ! فالقيم كالخير، الجمال العدل كلها قيم مطلقة فلسفيا، لكنها نسبية عمليا. فلا أحد سيعارض حقيقة كون الأمانة قيّمة ( بتشديد الياء) بحد ذاتها و لهذا سيمت القيم values قيما، لكننا حتما - في ظل غياب المرجعية - سنختلف على تطبيق الأمانة.
القيم مطلقة من حيث المبدأ، نسبية من حيث التطبيق الذي يختلف باختلاف الزمان و المكان و الأحوال و الأشخاص.

6- هل توافق على اعتبار أفلاطون الدهشة أصل التفلسف ؟
اعتقد أن القدرة على الاندهاش هي ما يصنع لدينا العقلية التساؤلية النقدية و الفلسفة لا تنمو في ارض عاقر من التساؤل.

7- لماذا يوصف العلم بالموضوعية في حين لا توصف الفلسفة بها ؟
العلم يبحث عن الحقيقة حسيا، فلن لن يختلف اثنان عن رؤية الحديد يتمدد بالحرارة.
أما الفلسفة فاجتهاد عقلي، فيه قدر من الذاتية، لان الحس ( المشاهدة) الاجماعية ليست العنصر الرئيس فيه .برأيي، إنها العين العلمية ( البصرية) في حالة العلم في مقابل العين الاجتماعية ( التبصرية) في حالة الفلسفة.


8- يرى بوذا أن " الحياة لا تخلو مطلقاً من الألم ، والتخلص منه يكون بالزهد في الدنيا والإعراض عن الرغبات والشهوات ، وعن خيرات العالم المادية ." عبر عن وجهة نظرك حول هذا القول ؟
مع احترامي لبوذا، لكن أفـضّل أن تكون الدنيا - بحلوها و مرها - في يدي و الآخرة في قلبي. فليس من الحكمة أن أتسلى بالزهد، حين أعجز عن التعامل مع الدنيا. الدنيا طريق الآخرة و التعامل الايجابي مع الألم هو ما يصنع السعادة ... التعامل لا التعامي.


9- لماذا لا يؤدي " الشك المطلق " إلى التفلسف ؟
ويظل الرجل يشك و يشك، حتى يكتب شكاكا. إنها الحاجة إلى عقلية تساؤلية اندهاشية لا إلى عقلية شكاكة بصورة هدمية. أهلا بالشك المنهجي، و بعدا للشك المطلق.


10- يرى أرسطو أن " الفضيلة وسط بين رذيلتين " ، اشرح هذا القول .
"بضدها تعرف الأشياء"، لو لم يكن هنالك رذائل لما كانت هنالك شيء اسمه الفضيلة.
فالإنفاق السليم يقع بين الإسراف و التقتير; ولو تخيلنا أن لا وجود للرذيلتين للأخريين في حياتنا لما عددنا الإنفاق المتوازن فضيلة. و لو لم نكن "أمة وسطأ" لما كنا أهلا لتحمل فضيلة أن نكون شهداء على الناس.


11- علل . دراسة الفلسفة تبعدنا عن التعصب الأعمى للآراء والمذاهب .
هذا قول فيه تعصب بدوره. الصحيح هو انه لو حاولنا التفكير بعقلية فلسفية، "ربما" حينها نكون أقل تعصبا، و أقوى بصيرة.

12- ما النتيجة التي تترتب على القول : " الإنسان مقياس الأشياء جميعاً " ؟
نفس النتيجة التي يترتب عليها ادعاء القطط بان" القطط مقياس الأشياء جميعاً" !


13- لماذا اعتبر أفلاطون أن الإحساس لا يستطيع أن يزودنا بمعرفة ولا يستطيع أن يعطينا علماً من أي نوع ؟
لانه ذاتي بصورة مفزعة; عليه أن يمر بالعقل و التجربة لتقل فزاعته.

14- ما الذي يحول " الشيء " من وجود بالقوة إلى وجود بالفعل عند أرسطو ؟
حرف الجر "إلى" !

15- يرى الرواقيون أن الحرية تكتسب من خلال التخلص من الشهوات جميعاً .وضح من وجهة نظرك مدى صحة هذا القول .
جميل، لكن ماذا لو كانت الحرية بحد ذاتها شهوة؟ نكون عندها تخلصنا من جميع الشهوات و أبقينا على شهوة الحرية!


كانت هذه نظرة سريعة على الفلسفة. إنها نسق في التفكير، ثقافة عيش يومية، و بحث في بواطن الأمور، إنها" الطبيعة الثانية" التي علي البشر أن يتحلوا بها إذا أردوا أن يكونوا خلفاء لله على الأرض. هل بعد ذلك سنسمع احدهم يقــّرع الآخر بعبارة " لا تتفلسف". لا عليكم، تفلسفوا، فالفلسفة و إن صعبت وسط بين رذيلتين: الاستجهال و الإغراق في تقديس الموروث المجتمعي.

"ميكي ماوس" وإثم سد مأرب!

ثار ما ثار مؤخرا حول الفأر"ميكي". وبغض النظر عن تفاصيل ما قيل، وعن سوء النقل والتأجيج الذين وقعت فيهما بعض وسائل الإعلام، استوقفني واستثارني نبرة الاستهزاء والتندر التي وجهها البعض لكلمة "فويسقة"؛ فأخذوا يضحكون ويستنكرون وصف كائن يرونه خفيف الظل بها رغم أنها الكلمة التي أطلقها الصادق المصدوق -صلوات ربي وسلامه عليه- لوصف الفئران. لا أعرف ما سر غضبة واستنفار الكثيرين لـ”ميكي” هذا حتى أنهم على استعداد للاستهزاء بحديث شريف من أجل سواد عيني ميكي، أو بعبارة أدق لسواد أذنيه. هل يؤمنون مثلا بالخزعبلات الصينية التي ترى أن عام 2008 هو عام الفأر فقرروا، الانتصار له؟ على أي حال، هلموا نسبر أغوار التاريخ والتراث واللغة لنتعرف على هذه الكائنات ونحكم حينها على الأمر بعقولنا لا بقلوبنا.



أيا بني قومي، هل نسيتم سد مأرب العتيد؟ هل نسيتم أن أجدادنا نسبوا تآكله وسقوطه إلى جُرذان شَرِهَة شريرة أخذت تنخر فيه وتحفر بكل ما أوتيت من أسنان وأظفار حتى انهار، وانهار معه الكثير الكثير؟

أما سمعتم عن حكاية "زمّار هاميلن" The Pied Piper of Hamelin؟ ذاك الذي زار بلدة "هاميلن" في ألمانيا فوجد الجرذان غمرتها من كل حدب وعاثت فيها فسادا، فعاهده أهلها أن يغمروه بالخيرات إن هو خلصهم منها. فعزف الزمّار على الناي آخذًا جيش الجرذان العرمرم إلى النهر مغرقا إياهم. بيد أنه حين عاد صعق بتنصل أهل القرية من وعدهم، وكيف لا وقد عاشروا الجرذان زمنا؟ لكن يبدو أنه هو الآخر لم يسلم أيضا من عدوى اللؤم من الجرذان التي رافقته في الطريق إلى النهر، فعزف على الناي مجددا وهذه المرة أخذ معه أطفال القرية إلى كهف بعيد، ولم يرهم أحد منذئذ. وهذا مصير من يعاشر الفويسقات.

وإن كان في أنفسكم شك، وترون أن ما سبق مجرد حوادث فردية لفصيلة عدوانية وهي الجرذان، وأن الفئران أودع وألطف، اسألوا الطفلة "كلارا" في قصّة "كسارة البندق" عن زعيم الفئران وجيشه، اسألوها هن الفزع والخراب. اسألوها كيف ضربته بحذائها -وهي طفلة لا حول لها ولا قوة- فجاء الأمير الظاهر في شكل كسارة البندق ليجهز عليه ويخلص الطفولة من شره. لم عساها تفعل ذلك إلا لأنها أدركت بفطرتها السليمة -التي لم تلوثها الإنتاجات التلفزيونية- أن هذه كائنات بغيضة مقبوحة.

بالله عليكم، منذ متى كانت الفئران كائنات لطيفة أو نظيفة تربى وتحول إلى دمى وثيرة يحتضنها الأطفال في فُرُشهم؟ أرجو ألا تتهموني بمعاداة الفئرانية (على وزن معاداة السامية) وأرجو أيضا ألا تتهموني بقلة الخيال وانعدام تقدير فلسفة الفن وتحديدا الرسوم المتحركة، لكن وبكل بساطة لا أستطيع أن أستسيغ "ميكي" هذا. صحيح أنه من أوائل الشخصيات الكارتونية التي رأيتها في طفولتي، هو وابن جلدته "جيري" الفأر المكار، ويفترض أن يكونا جزءا من اللاشعور لدي، ويفترض أن يكون دماغي قد غُسل لكثرة ما رأيتهما، لكن هناك صوت ما، صوت صادق وعاقل يقول لي أن في الأمر سوءا، وأن هذه الكائنات وإن حولت إلى شخصيات تقفز وترقص وتمزح وتقهقه، لا تزال في الواقع مجرد فئران، بل وربما جرذان سمان نهِمة. فكم من زروع أتلفت،  وكم من ممتلكات قضمت، وكم من أمراض نقلت. ذاكرة البشر ضعيفة حقا، هل نسيتم ما كان ينقل "الموت الأسود" والطاعون؟ هل إذا ما تقدم الطب نسينا الناقل الرسمي للموت، فحولناه إلى كائن وديع تُعلق صوره على الجدران وفي سلاسل المفاتيح؟ يبدو أننا بحاجة ماسّة إلى دروس تقوية في تاريخ الطب!

أما لغويا، فجرب أن تقول لمتكلم باللغة الإنكليزية بأنه Rat أو جُرَذ وتحمل ما سيأتيك منه؛ فالكلمة تستخدم لوصف الخائن أو الواشي. أما بالعربية الفصحى فالجُرَذ (وهو ينطق بضم الجيم وفتح الراء) رمز القذارة والتدمير، وأما الفأر فجبان رعديد وما أرى ظنَّ البعض أنه محب للجبنة إلا من الجبن الذي يسري في أوصاله. وبالمناسبة، فإنّ كلمة فأرة في اللغة العربية مفرد وتطلق على المذكر والمؤنث كقولنا تمرة وجمعها تمر، ويجوز أيضا أن يذكّر الفأر بحذف التاء المربوطة. وأرجوكم، لا تجعلوا تسمية أدوات التأشير الحاسوبية بـ"الفأرة" أو "الماوس" شفيعا لهذه الكائنات، فالجيل الجديد منها صار لا سلكيا ولا ذيل له، لذا لا داعي للتشبث بهذه التسمية.

لا تدعوا الصور المزركشة تغسل أدمغتكم، فكلنا نعرف أن القطط من أنظف الحيوانات على الأرض وربما ألطفها، وأن العكس هو الصحيح  بشأن الفئران. لكن انظروا كيف قلب "توم وجيري" طاولة المفاهيم رأسا على عقب. فالفأر "جيري" هو الذكي السموح الطيب، أما "توم" القط فشرير وفوضوي وغبي. كل هذا رغم أن التاريخ يشهد عرفانا للقطط التي تعد شركة تنظيف مجانية وحارسا أمينا على ممتلكات البشر من القوارض المستقذرة. لله درها عصا الإعلام هذه، ويا لمقدرتها على إلباس الباطل ثياب الحق إن شاءت.

وبما أن الشيء بالشيء يذكر، ما رأيكم بـ "بيغلت" Piglet الخنزير الوردي الصغير صديق الدب "ويني"؟ وماذا عن "بومبا" الخنزير البري رفيق "تيمون"؟ هل ترون أنهما أيضا كائنان لطيفان لأنهما يرقصان ويتقافزان على الشاشات مثل "ميكي"؟ الغريب أن فئران التجارب تسمى باللغة الإنكليزية Guinea Pigs أو "خنازير غينيا”. وبغض النظر عن سبب التسمية، أحسب أن القرابة بين الفئران والخنازير -على المستوى النفسي لكليهما على الأقل- ليست ببعيدة.

مسلسل سوق النخاسة: الموسم الجديد

إذا كنتن وكنتم تظنون أن أعداء المرأة قوم غِلاظ جِلاف ينادون ليل نهار بعبارات مُقلِقة مثل أن المرأة كائن من الدرجة الثانية، أو أنها من نسل إبليس، أو أن أصلها ثعلب كما تقول الأسطورة اليابانية، أو أن "شرشبيل" الشرير هو من صنع أول "سنفور" أنثى، فأنتم حتما تحتاجون إلى مراجعة تاريخية!
أعداء المرأة يأتون بجميع الأشكال والألوان والأصناف، ورأينا على مدى التاريخ تشكيلة كبيرة منهم (بل ومنهن أيضا!) ففي كل عصر يخرج شكل جديد يتلاءم مع روح العصر ومتطلباته! وإني أعجب من قدرتهم البقائية الارتقائية هذه التي أتمنى أن أعرف سرها ليستعملها العلماء على الكائنات المهددة بالانقراض! مسلسل سوق النخاسة -نخاسة المرأة- مستمر لا يتوقف، وفي كل عصر يأتينا موسم جديد وحلقات جديدة بحبكة أكثر خبثا ودهاءً عن سالفاتها.


في عصرنا الأربد، لأعداء المرأة شكل جديد، شكل "حداثي"، شكل "كوُل"، شكل يحسن تمويه نفسه حتى تكاد تحسبه صديقا. الأعداء الجدد للمرأة في يومنا غالبا ما يكونون أعضاء في "جمعية أصدقاء المرأة" (لا توجد جمعية بهذا الاسم، وإن وجدت فإني لا أعنيها بعينها)، وغالبا ما يعرِّف بعضهم عن نفسه بقوله أنه "نِسوِيّ" أو Feminists، وتجدهم ينادون ليل نهار بأن الأنثى (لاحظوا جيدا، الأنثى وليس المرأة)  كائن لطيف جميل رقيق وديع، وأن معظم الحضارات القديمة كانت تقدس الأنثى، وأن جميع الآلهة لدى العرب –باستثناء هُبَل- كن إناثا، وتجدهم يعودون إلى إلاهات الإغريق والرومان ليبينوا أن الأنثى كان أقوم سلوكا وأرشد قرارا، وأن ممالك النحل والنمل تديرها ملكات لا ملوك بكامل الكفاءة، ويؤكدون أنه لولا "تواطؤ" حواء مع الأفعى (وكلتاهما من جنس الإناث) لما تمكن إبليس وهو الذكر (مجازا على الأقل) المغلوب على أمره من أن يصفي حسابه مع آدم عليه السلام، رغم أن الرواية القرآنية تبيّن بوضوح أن لا علاقة لحواء بالأمر. ثم وبعد هذه الديباجة الطويلة لا يفوتهم أن يتغزلوا بجسد المرأة، وأنه هو ملهم الحضارات، وأن أمهم الأرض أنثى لغويا ووظيفيا فهي تحمل وتلد/تنتج، وغير ذلك من المديح المبالغ فيه إلى حد الإزعاج!

أعداء المرأة الجدد قوم يبالغون في مديح المرأة، بل يكادون يقدسونها ليس لأنها امرأة بل لأنها أنثى، وطبعا لا يفوتهم بهذه المناسبة الميمونة أن يشجعوا المرأة على "حسن استغلال ما وهبتها الطبيعة"، فهي كائن جميل ظلمه التاريخ والدين والمجتمع و"الظلاميون"، وعليها نشر الجمال على سطح البسيطة، وطبعا لها الحق –كل الحق- في أن تتاجر في جسدها كيفما شاءت –أو بمعنى أدق كيفما شاء تجار الرقيق الحداثيون وأساطين الإعلام- فهو من ممتلكاتها، بل وقد يتظارف بعضهم ويحاجج بأن الإسلام كفل لها ذمة مالية منفصلة وبالتالي من حقها التصرف بما تملك ومن ذلك جسدها!

على الجانب الآخر تجد شكلا جديدا لدى النِسْوِيَّات، هو الآخر كفيل بأن يجعلكم ترفعون حواجبكم تعجبا، ليس لأنه يبالغ في تقديس المرأة، بل العكس تماما! دققوا النظر جيدا وستجدون طائفة من النسويات يرتدين قمصانا ذات أزرار على اليمين (كقمصان الرجال) ويقصقصن شعورهن ويرفضن الزينة على إطلاقها ويبالغن في "الخجل" من جسد المرأة وأنه السبب في تسليعها وامتهانها، والحل بذلك لديهن –أطال الله في أعمارهن!- هو بأن تتحول المرأة إلى كائن شبيه بالرجل، فلا يستطيع أن يمتهنها أو ينظر إليها نظرة دونية فهي مثله حتى في الشكل. قد أتقبل هذا المنطق من باب الدعابة الاقتصادية حيث أن الاقتصاد الحديث يشجع على الاندماج والتكتل، لكن جديّا، وبعد التمعن والتفكير ألا ترون أنه هذه الدعوى تشي بحالة من الصَغَار لدى أولئك النسويات؟ فهن يرين –في قرارة نفوسهن وإن لم يعترفن بذلك- بأن الرجل هو الكائن الأرقى والأفضل والأكثر تطورا، وأنه لا حل لدى المرأة لحل عقدتها إلا بأن تتحول إلى رجل هي الأخرى! حقيقة، حقيقة، لا أفهمهن، وأشك أنهن يفهمن أنفسهن أصلا. هن أيضا شكل حداثي جديد من أشكال أعداء المرأة، فالمرء قد يعادي نفسه أحيانا! هن وكي ينقذن المرأة من نخاسة الجسد، أوقعنها فيما هو أكبر، نخاسة الروح، فعلى المرأة أن تكره جسدها وتطمسه حتى تحظى بمكانة لائقة بها، وعلى روحها أن تصطرع حتى تتقبل شكلها الجديد الذي سيعتقها مما تواجهه  من وجهة نظرهن، وهذه النخاسة أدهى وأمر.

عزيزاتي، أعزائي،
سوق النخاسة لم يغلق، لا يزال مفتوحا 24 ساعة، 7 أيام في الأسبوع، 52  أسبوعا في السنة. وموسم التخفيضات لا ينضب، و"التصفية العامة" تطل برأسها بين الفترة والأخرى تمهيدا لوصول دفعة جديدة من الساذجات. ولا تزال كثير من بنات جنسي يُبعن ويُشترين في هذا السوق، وإن لم يعلّق ملصق للسعر عليهن!

تخيّلوا لو لم نكن نتخيّل!

تخيّلوا –فرضا وجدلا أو حتى عبثا- أننا في يوم ما قررنا، أو حتى أننا أُجبرنا ألاّ نتخيّل؛ أن ننزع قابس الخيال من حوائط عقولنا وأن نكتفي بالتفكير المباشر والواقعي والحَرْفي. تخيّلوا معي ماذا سيحدث حينها.
حينها، سنرتاح من أحلام اليقظة، ومن التفكير في العوالم الوردية المجيدة الحافلة بحياة أكثر حقا وخيرا وجمالا، وهذا يعني أننا نكون فقدنا وقودنا المحرّك، لكن إذا تفاءلنا سنجد أن هذا سيوفّر علينا الكثير من الوقت الضائع.
كما أننا سنتوقف عن الالتزام بالقانون –بداء بقانون الجنايات وانتهاء بقانون النظافة في الشوارع- لأننا نكون فقدنا مقدرتنا على تخيّل العواقب التي تحملها أفعالنا.

لو لم نكن نتخيّل، سنتوقف عن التخطيط، فالتخطيط في مجمله تفكير في المستقبل وتخيل لأحوالنا فيه، مما يعني أننا -أفرادا ومجتمعات- لن نحسب حساب الغد لأننا فقدنا مقدرتنا على تخيل وجوده.

وسيفرح الطلبة الكسالى، لأن مناهج الرياضيات ستُخفف كثيرا، لأنها في مجملها قائمة على افتراضات، وسيُكتفى بتدريس المفاهيم البسيطة مثل الجمع والطرح والقسمة والضرب، وسيكون تدريس الرياضيات في البقالات والأسواق كي يمارس الطلبة العمليات الحسابية مباشرة، إذ سيفقدون قدرتهم على تخيل شيء من قبيل: "افرض أن لدى أحمد 15 تفاحة وأكل 5، فكم يبقى؟"
كما أن طلبة الثانوية سيُعفون من منهج الفلسفة والمنطق، فالمنطق فيه شبهٌ كبير بالرياضيات، ويعتمد كثيرا على التجريد والتخيل، والفلسلفة كذلك فيها من الافتراضات والنبش في عالم الأفكار والخيال الكثير. علما بأن هذا لا يمنع الناس من أن يتفلسفوا (أي أن يتفذلكوا) لكن الفلسفة الحقة، بمفهومها السامي والمهم للنمو الفكري والحضاري للمجتمعات، ستوأد شر وأد.
كما أن منهج التاريخ سيُلغى، لأنه الطلبة وحتى المدرسين لن يستطيعوا الذهاب بخيالهم إلى الماضي لتخيل أن هذا الحدث تم آنذاك، ولا يمكن التعويض عن ذلك بأفلام سنمائية مثلا، لأن المخرجين والمؤلفين أيضا سيكونون قد فقدوا المقدرة على تخيل أنه يمكن أن يحدث شيء في الماضي أو المستقبل، فإذا ضاع الخيال، حبس المرء في حلقة الحاضر وفي إسار اللحظة.
وأطمئن طلبة المواد العلمية –الكسالى منهم-، بأن جميع موادهم ستُلغى عن بكرة أبيها، بل أن البحث العلمي كفكرة لن يكون هناك طائل منه، فالفرضيات شيء لن يستوعبه العقل البشري إذا غاب الخيال، والنظريات لا يمكن أن تولد من خارج رحم الخيال الخضب.
بل أنه يمكنني التطرف والقول بأن النظام التعليمي برمته يصل إلى حالة من الوجوم والتبلّد، وسيرتكز أساس على الاستثمار في الذاكرة، وسيكون الحفظ والتسميع لكل شيء هو الطريقة الوحيدة للتعلم وللتقويم.
وحينها أيضا سنتوقف عن جميع أنواع الصناعات –الخفيفة منها والثقيلة- لأنه لن يعود بمقدورنا أن نتوقع ونتخيل السلوك المستقبلي للآلات من أعطال أو من حاجة للتطوير، فمن الأسلم ألا نصنع.
كما أن حالة عجيبة من البيروقراطية لم يتخيلها بها "ماكس فيبر" ولا حتى في أسوأ كوابيسه ستعترينا وذلك لضمان عدم حدوث كوارث، فنتيجة لغياب حس الخيال وضياع بوصلة المستقبل، يجب أن نحتاط ونؤثر السلامة، ونتأكد أن تكون جميع خطواتنا موثقة وتسير في حلقة طويلة ومقننة بأكثر قدر ممكن خوفا من أي شيء لم يؤخذ في الحسبان، هذا لأنه لن يكون لدينا حسبان طبعا.
صناعة أفلام الكارتون ستندثر تماما، بل أننا لن نستطيع حتى فهم أفلام الكارتون القديمة لأنها ستكون مجرد سخافات، فمن يمكنه التخيل أن هناك نحلة واسمها زينة وأنه يمكنها أن تدب على اثنتين و أن تتكلم العربية والإيطالية واليابانية؟!
أما القطاع الطبي فسينهار نتيجة لانهيار البحث العلمي والتصنيع، وحتى الحلاقون والقوابل لن يجرؤوا على القيام بأية مهام طبية، فمن يضمن السيناريوهات؟ ومن يمكنه أن يخطط لأي طارئ؟ وسيعتمد البشر على طريقة "طبب نفسك بنفسك، وعالج نفسك على مسؤوليتك" وسيعلق بيت الشعر العربي "ما حك جلدك مثل ظفرك *** فتول أنت جميع أمرك" سيعلق في كل الأماكن وذلك لتبرئة ساحة الأطباء من الاضطلاع بمهام الطبابة.
وكثير من الأمور ستحدث، لكن خيالي ما عاد يسعفني، لأني اكتشفت للتو أننا فعلا قوم –تقريبا- لا نتخيّل، ولا جدوى بالتالي من أن نتخيل الوضع إن نحن لم نتخيل. آواه! هل يمكنكم أن تتخيلوا أن هذا وضعنا؟!

هذا "الخلد" طريقك إلى جنة الخلد!

تسير في الطريق الفسيح، وتتمتع بالمناظر الجميلة على جانبيه. تتوقف قليلا لتلوح بيديك لمن تراهم على الجانب الأيمن. فجأة، تحس بأن شيئا يتحرك أسفل قدميك. إنه خُلْد مزعج ظهر من حفرة على جانب الطريق. يطل من الحفرة تارة، ويختبئ تارة أخرى بشكل يفقدك أعصابك ويفسد عليك الاستمتاع بالمنظر. تكتشف أن لديك مطرقة خشبية كبيرة في يدك. تهوي بها عليه، فيرتد إلى حفرته مذموما مدحورا.

تكمل السير، وإذا به يظهر مرة أخرى على جانب الطريق الأيسر، فتعامله كما عاملته من قبل. ثم تكمل مسيرتك ظانا أنه ارتدع. يبدو أنه ارتدع فعلا، إذ لم يظهر منذ مدة. تسير مزهوا بانتصارك عليه، فتجد نفسك تهوي على الأرض متعثرا بشي ما. تعسا! إنه الخُلد المزعج مرة أخرى، لقد ظهر هذه المرة من بين قدميك دون أن تنتبه له، فأسقطك سقطة موجعة.

تنفض الغبار عن نفسك وتعود للسير، لكن هذه المرة ويداك مشدودتان على المطرقة. ويغمرك شعور عارم أنك محبوس داخل لعبة "Whac-a-mole" الشهيرة*. تعود لتستمتع بالمنظر الجميل على جانبي الطريق، تلوح للآخرين، وتكلمهم. لكن عينيك لا تستقران؛ تعاين بهما جانبي الطريق تارة، ومنتصفه تارة أخرى. أنت الآن تعلم جيدا أن هذا الخلد شبه الأعمى، هذا الكائن الصغير الحقير يمكن أن يظهر في أي وقت، وفي أي مكان. أحيانا يكون مزعجا، وأحيانا خطرا، وأحيانا قد يكون مميتا! والكارثة أنه لا يمكن ترويض هذا الكائن، ولا رشوته، ولا حتى قتله. كل ما تملك إزاءه هو أن تهدده بمطرقتك الخشبية، فينتهر وقتيا. يختفي هنالك تحت الأرض ليخطط كيف يحفر لك حفرة جديدة، وكيف يمكر بك بحيلة جديدة.



* * * * *
هكذا هي الحياة. لا بد أن يخرج لك منغص ما، من حفرة ما من حيث لا تحتسب؛ {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد : 4]. وهذه المكابدة ضرورية جدا، وهذا الخلد المزعج والمؤذي مهم جدا، ومفيدا جدا جدا، وضروري جدا جدا جدا! فبالله عليك، من غيره كيف تشتاق؟ كيف تشتاق إلى الجنة لولا هذه المنغصات؟ ألا تشعر بشيء من الامتنان لهذا الخلد؟ ألا تراه الآن كائنا لطيفا جدا وقد أسدى لك هذه المعروف؟ جرب مرة أن تمسح على رأسه عرفانا! كن حنونا معا قليلا لأنك لن ترى هذا الخلد الصغير المؤذي في جنة الخلد.



ما السبب الرئيس الذي يدفعك للشوق إلى الجنة؟ أهي الفاكهة والنخل والرمان وأسواقنا مترعة بها حتى في غير مواسمها؟ أهي أنهار اللبن والعسل والإنسان قادر على صنع شيء مشابه؟ هل السندس والإستبرق وهما وافران في الأسواق اليوم؟ يقول الدكتور جيفري لانگ في كتابه "حتى الملائكة تسأل" أن سكان الأسكيمو قد لا يروق لهم وصف نعيم الجنة بظلالها وغياب شمسها المحرقة {لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا}، ففكرة النعيم لديهم هي رمال دافئة وشمس مشرقة دائما. أتذكر أن هناك من كانت تستغرب أن الله خص الرجال بالحور العين في الجنة، وحرم النساء. وهنالك قلت في نفسي، ومن قال أنه حَرَم النساء؟ وهل عدم ذكر الكيوي أو الخوخ وكبد الإوز في القرآن الكريم يعني أنه محبيها لا يمكنهم الحصول عليها في الجنة؟ كل ألوان نعيم الجنة التي ذكرت في القرآن الكريم مجرد أمثلة، وعلينا أن نفهم فلسفة الجنة لنعرف أن الأمر أكبر من مجرد طبق فاكهة أو ما شابه. ما ذكر من نعيم الجنة هو مجرد تقريب للعقول وتطييب لها وتحبيب فيها، فما فيها حظه من الدنيا الاسم فقط. لذلك، يطل هنا سؤال جوهري ومشروع: هل التنعم هو فقط ما يدفعنا إلى الرغبة في الجنة؟ وكيف يكون هذا، والإنسان كلما تطور، كلما وجد وسائل أكثر توفر له الرفاهية والتنعم.


أرى أننا نرغب في الجنة لأمرين رئيسين:
1. البحث عن حياة بلا منغصات، حياة لا تضطر فيها إلى التلفت كل حين خوفا من الخلد المزعج الذي لا تعلم من أين يأتيك.

2. المشيئة! فالله أعطانا في الدنيا مشيئة (محدودة، لكنها تظل مشيئة) لنختار فيها رضوانه أو كفران نعمته. وجزاءنا في الجنة مشيئة أكبر، فالجزاء من جنس العمل. {... وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} (فصلت:31). وتضييع الوقت في البحث في ماهية النعيم وتفاصيله عبث. فمن الغباوة أن يحاول أحدهم عمل جرد لمحتويات الجنة من النعيم، ويتجاهل أن ما فيها غير قابل للعد أو الحصر. ثم يصل على نتيجة أن الجنة غير مغرية له بما فيه الكفاية، فكل ما وصف في القرآن يكاد يكون متوفرا في يومنا هذا!

وأنت تسير في الطريق مترقبا لغزوات الخلد المشاكس، تذكر قوله تعالى "وهديناه النجدين". فاختر النجد الصحيح، لتفوز بالمشيئة. ولتصل إلى جنة الخلد، الخالية من صاحبنا "الخلد" المشاغب. أو لعله سيكون موجودا هناك، لكنه سيكون لطيفا، ظريفا، أليفا.




إغماضتان:

- الشيء الوحيد الذي قد لا تجده في الجنة هو "كلمة لا"!
- كلنا مبرمجون على الرغبة في الجنة. المكروب يريدها ملاذا، والمنعّم يريدها نعيما أبديا لا ينفد. هي مغروسة فينا ومغروزة.

لقد ارتددت عن رأيي، القراءة غير مهمة!

لا لن أستظرف وأقول لكم أني كنت أقصد أن القراءة ليست مهمة بل هي ضرورية. لا، لن أقول لكم هذا لأني -وببساطة- أعتقد بأن ما وراء القراءة له ذات القدر من الأهمية. منذ عقود ونحن نلوك الشعارات حول أهمية القراءة لأمة ناهضة، ونتشدق بماضينا الزاخر العامر بالمكتبات وتقدير الكتب، لكن -وبكل صدق ومكاشفة- ما نفعله فاشل جدا وسمج! ويبدو أننا نعوض عن ثقافتنا المفرطة في الشفاهية بالنظر إلى القراءة على أنها المخلص الفادي لمشاكلنا. إنها الشماعة الإيجابية، شيء يشبه نظرية المؤامرة لكن بالمقلوب. فكما أن المؤامرة هي سبب كل مشاكلنا وإخفاقاتنا، فإن القراءة هي الدواء السحري الشافي من كل الأمراض، والمخلصة من كل المشاكل.
أعرف الكثيرين من القراء النهومين الذين يقرؤون كتبا "جيدة"، ورغم ذلك لا أكاد ألاحظ فرقا يطرأ عليهم على مدى الزمن. قد يقول قائل أن متعة القراءة تكفى، وأن صيانتها المرء عن نشاطات غير نافعة أو مدمرة كاف جدا. لكن لماذا نرضى بالفتات وهناك وليمة؟ يقول قانون "باريتو" (يسمى أيضا بقاعدة 80:20) أن 20% من الجهد يمكن أن يعطينا 80% من الثمار، لكني أرى هذه القاعدة الثمينة معكوسة تماما لدى الكثير من القراء.

من أمة {اقرأ} إلى أمة {يتفكرون}!
يحثنا الله في القرآن الكريم على ما هو أهم وأرقى وأصعب من القراءة؛ التفكر. لا، لسنا أمة {اقرأ} فقط، نحن أمة {يتفكرون}! فـ{اقرأ} في سياقها قد تعني "رتّل". وحينما جاء جبريل –عليه السلام- إلى النبي – عليه الصلاة والسلام- لم يناوله رقا ولا ورقة ليقرأ منها، بل كان يريد منه أن يردد خلفه. وصحيح أن ذكر القلم ورد في السورة لكن ذكر القلم على أنه وسيلة للتعلم، أي تقنية من التقنيات التي تفضل الله بها على الناس، فالحديث هنا عن أفضال الله منها تعليم الإنسان الكتابة والتوثيق، وليس الحديث عن القراءة بالعين تحديدا. في مقارنة هذا، نجد الحض على التفكر في أكثر من عشرة مواضع في القرآن الكريم. فالتفكير عملية بيولوجية محتومة على البشر بل وعلى كثير من الكائنات غيرهم، لكن التفكر هو ما يميزنا، وعلى أساسه نلنا التكليف، وبه نختار أي النجدين سنسلك.
ما أريد قوله هو أن القراءة مهمة، لكن إفراطنا في تمجيدها أنسانا ما هو أعمق وأكثر ضرورة: التفكّر. القراءة هي الخطوة الأولى، وهي لازمة. هي "خشبة القفز" التي يستعين ينطلق منها السباح ليقفز في المسبح العميق. وكم هو ساذج من يقف على خشبة القفز بزي السباحة ويظن أنه صار سباحا ماهرا يستحق التصفيق. وواهم أيضا من يقفز من غير الخشبة، فيفقد الاتجاه والارتفاع الصحيحين، ويؤذي نفسه.



عن التفكر أحدّثكم

  • التدبر والتفكر مرحلة تالية للقراءة، علينا أن "نقرأ قليلا، ونفكّر كثيرا" كما قال أحد الحكماء. للتفكر يجب أن نحشد ألستنا وأيادينا. والتفكير عملية بيولوجية طبيعية تحدث حتى لدى الكائنات الأخرى غير المكلّفة، فهي أيضا تفكر (تفكير محدودا بقدراتها) وتتخذ قرارات بناء على ذلك. لكن التفكر شيء خاص بنا، وإني لأستغرب من كاتب كبير مثل عبّاس العقّاد حينما كتب كتابا عنوانه "التفكير فريضة إسلامية"، وكان الأجدر أن يقول "التفكر فريضة إسلامية"، فالتفكير عملية قسرية، مكررة، وغير أصيلة.

  • كثرة القراءة وحشو الرأس بما قال الآخرون قد يكون ضارا. من المهم أن نتوقف لنتنشق هواء خاصا بنا، ولنصنع آراءنا بأيادينا. وهذا ما يجعل القراءة النقدية العقلانية ضرورة. هناك من يقرأ كتب البشر قراءة متلبسة بروح المدرسية. يعامل الكتاب برقة متناهية، ويتحاشى أن يكتب عليه إلا بقلم الرصاص. وهذا طيب إذا كان القصد منه المحافظة على الكتاب وإطالة عمره، لكن الخوف أن يكون هذا التعامل دلالة على حالة نفسية تجاه الكتاب. هذه الحالة التي مررنا بها كلنا، حين نظن أن كل ما بين دفتين هو جيد وعظيم ورائع وعلينا اعتناقه. فلنقرأ بغرض تكوين رأي خاص بنا، ولا بأس أن نتعارك بأدب مع كاتب الكتاب، وأن نضع له ملاحظات على الهوامش. ولا تثريب إذا وضعنا له علامات تجب واستفهام، ووجوه عابسة أو ضاحكة. القراءة مهمة، لكن القراءة مع هيبة زائدة من المؤلف أو الكتاب تعني أننا إزاء مشروع تخريج فوج من الببغاءات!
  • أمر خطير أن نقرأ قراءة عاطفية استلابية أو انتقامية. ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم "أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما". البعض يكره كاتبا ما، فيفجر في الخصومة، فلا يقرأ له أبدا، أو يقرأ له ليتصيد الأخطاء ويصفي حساباته العاطفية معه. وهناك من يقرأ لكاتب يحبه، فيكون مستعدا للذوبان في كل ما يقول فلان. فلنخرج من شرنقة القائل إلى فضاء المقول الوسيع، وأنعم به فضاءً. على كل قارئ أن يصنع لنفسه مفرزة، تقيم وتحكم على الأفكار ضمن إطار أدب الاختلاف. ولا تخجل من الاختلاف معها. حينما تقرأ كتابا، تذكر أن الكاتب كائن بشري مثلك، فلا تقدسه ولا تدنسه! وكما أنّ الدول تتطور لتخرج من إطار القياديات الشخصية إلى دول المؤسسات، أظن أن علينا أن "نومأسس" قراءتنا!
  • ليس هنا أسوأ من محدثي الثراء، إلا محدثي القراءة ومحدثي العلم! هناك من يقرأ بضعة كتب، ويظن نفسه أنه ملك مفاتح المعارف. فيأخذ ينظّر، وينصح، ويفتي، ولربما وصف العلاجات الطبية. ما أجمل ما قال الشافعي:
    كلما أدّبي الدهــــــر   *   أراني ضعف عقلي
    وإذا ما ازددت علما   *   زادني علما بجهلـي
وصدق القائل:
قل لمن يدعي في العلم معرفة * عرفت شيئا وغابت عنك أشياءُ
أقول هذا حتى لا نتورط بالعالم العلامة، والفاهم الفهامة، والخبرير النحرير، والمنظر الخطير، والأديب الأريب. وكل ما فعله هو أن قرأ خمسة كتب أو ستة في العطلة الصيفية. وطبعا أول ما سيصيبه جراء ما يفعله هو أنه سيتوقف عن القراءة، إذ يصل إلى مرحلة الاكتفاء ويظنه أنه من المعرفة بمكان بحيث لا يحتاج إلى أن يقرأ كثيرا، بل يكفيه ما تلتقطه أذناه هنا وهناك، والباقي متروك لعقله الفتاك!  أول درس في أخلاقيات القراءة هو التواضع والتوازن. ومن دون هذا، يكون الانتقال إلى مرحلة التفكر مستحيلا، لأن طبيعة التفكر تقتضي النهم الدائم والشك الدائم أيضا. ولا أقصد بالشك الضياع التام والتشكيك في كل شيء، بل تمحيص الأمور وتقليبيها ووضع افتراض دائم بان الحقيقة قد تكون في الضفة الآخر، أو قد تكون مجزأة على ضفاف كثيرة أُخَر أكثر من أن تحصى. وهذا الإدارك بتشظي الحقيقة يتعارض مع فكرة الاكتفاء لأنها تقتضي الدعة والتسليم، والتفكر فيه شيء من القلق، بل كثير من القلق أحيانا.

وفي النهاية، لا خير في قراءة لا تجعلنا نشتبك مع الحياة! جميل أن نقرأ من أجل المتعة أحيانا، لكن فلنعلم أن القراءة المريحة خيار الكسالى أو السذج الذين لا يريدون أن يخرجوا من صدفاتهم المريحة، ولا يريدون أن يتعرضوا لأفكار تنفخ الغبار عن طاولاتهم الفكرية. نحن نقرأ لنعيش بشكل أفضل، لنعبد الله على وجه أكمل، ولنعمر الأرض كما أراد لنا أن نفعل. وهذا السعي والدأب والحراك تقتضي أن نسير لا سيرا جسديا وسعيا ماديا فقط، بل أن تظل عقولنا في سعي دائم بين صفا الحياة ومروتها، تتفكر وتبحث عن زمزم يتفجر فيروي الدنيا.

ويسألونك عن السؤال

في سورة واحدة، يظهر سؤالان يعلّمان الناس كيف يكون السؤال. سؤال مشروع لا تثريب عليه، وسؤال آخر هو عين الخطأ والاعتداء. في سورة البقرة نقرأ سؤال الملائكة، ونقرأ أيضا أسئلة بني إسرائيل.
عجيب جدا أن نعرف أن الملائكة المجبولة على الطاعة وعدم المعصية تتعجب فتسأل الله تعالى عن جعل آدم خليفة في الأرض. وجميل جدا أن الله تعالى لم ينهرها، ولم يعاقبها، و لم يتجاهل سؤالها، بل رد عليها ردا عمليا مفصلا. حين أبدى لها كيف أن آدم مهيّأ بالمعرفة {وعلم آدم الأسماء كلها ...} التي تؤهله للخلافة.
وفي مكان آخر من السورة الشريفة، نجد سؤالا، أو بعبارة أدق السلسلة السؤالية التي صاغها بنو إسرائيل. سألوا، وسألوا، وسألوا. وأمهلهم الله ليمعنوا في السؤال ولم ينكر عليهم. تركهم ليضيقوا على أنفسهم بأنفسهم.
سؤال الملائكة كان سؤالا نبيلا، سؤالا استفساريا مشروعا. قد يبدو للعقل غير الخبير أنه سؤال ينم عن طمع، وحاشا أن يكون هذا من صفات الملائكة. لكن المنطق هو الذي فرض المقارنة بين الإنسان المعرض للمعصية وبين الملائكة التي لا تعصي ولا تستطيع ذلك. وإزاء هذا السؤال، أجاب الله وخلّد الموقف في القرآن ليعرف بنو آدم أن لا غضاضة من سؤال الملائكة، فما بالك بالبشر الذين يملكون النجدين؛ الطاعة والمعصية، بعكس الملائكة المجبولين على السير في طريق الطاعة وحده.
أما سؤال بني إسرائيل فكان سؤالا تنصليا، سؤال جدال ومراء و"شراء وقت"، كان محاولة لتمييع الموقف خوفا من كشف الحقيقة. فأخذوا يسألون ويسألون عن صفات البقرة، أملا في أن يتعذر إيجادها أو يتغير سير الأحداث إلى سيناريو أقل حدة من إحياء الميت وتوريط الجاني وأدانته إدانة تامة. كيف تعامل معهم الله تعالى؟ لم يقرعهم، ولم ينبههم أن يذبحوا أي بقرة وأن يتوقفوا عن الأسئلة، بل أمهلهم ليستدرجهم إلى تلك البقرة النادرة العزيزة التي كلفتهم مبلغا طائلا جعلهم يترددون في ذبحها حتى بعد أن وجدوها {... فذبحوها وما كادوا يفعلون}.

* * * * *
لا أعرف لماذا يرى البعض أن للإسلام صبغة معادية للسؤال والتساؤل. قد تكون ثقافتنا العربية قامعة له، لكن الإسلام شيء، وثقافتنا الخاصة شيء آخر. الإسلام حجة عليها، وليس العكس. والكم الهائل من الآيات التي تدعو للتفكر والتأمل لا يمكن إلا أن تأتي ضمن سياق دين لا يسمح بالسؤال وحسب، بل ويحث عليه ويبين أن من لا يتفكر عليه أن يفعل قبل أن يندم ساعة لا مندم. فكل هذا الحث على التفكر والنظر والتأمل وتقييم الوضع يستجلب معه بالضرورة الرغبة في السؤال  والنقاش والمحاورة، وكل هذا مكفول.
هناك أسئلة الغرض منا الجدل أو المماطلة، هي أسئلة تنتحل شخصية شيء آخر، تظن نفسها في حفلة تنكرية. وكذلك، هناك شكاكين يألّهون الشك. لقد تحول السؤال والشك إلى وثن، واللايقين إلى صنم جديد في عصر ما بعد الحداثة. وهذا أخوف ما أخافه علينا!
تكررت عبارة "ويسألونك عن" في القرآن الكريم في مواضع عديدة في رد على أسئلة المسلمين وأيضا على أسئلة بعض أهل الكتاب، وقد أجاب المولى أسئلتهم. ولم يرد تقريع على السؤال إلا حينما يكون السؤال تنصليا كسؤال بني إسرائيل، أو حينما يتسبب في مشقة وتضييق. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (المائدة: 101) وهنا لا نجد النهي عن السؤال الاستفساري، بل عن السؤال الاستهزائي، وعن السؤال التضييقي الذي يجر على أصحابه ما لا داعي له أو كما نسميه بالعامية "منبّه اللوه"*!

سؤال موسى عليه السلام:
نحن مجبولون على السؤال، وقد أتمادى وأقول أننا أحيانا نكون مجبورين عليه. هذه النزعة المغروسة فينا نحو الفهم والتعقل لا تنمو إلا في تربة الأسئلة. وها هو سيدنا موسى عليه السلام، كليم الله لا يصبر أن لا يسأل. وفي قصته مع الرجل الصالح الواردة في سورة الكهف خير دليل. فالرجل الصالح حذر موسى عليه السلام قائلا: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} (الكهف: 68). فتغلِب على موسى عليه السلام الطبيعة البشرية التي لا تصبر ولا تهدأ حتى تضع الأمور في نطاق يفهمه العقل، ححتى أنه نسي وعده للرجل الصالح. وفي المرة الثالثة، حين أدرك أن عليه ألا يسأل وفقا للوعد الذي قطعه على نفسه {قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا}، لم يطق ذلك، فخرج سؤاله بصيغة مواربة، على شكل نصيحة: {... قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}. فالظاهر نصيحة يسديها، والباطن هو سؤال واستغراب. ونحن في هذه الواقعة لا نجد لوما من الله تعالى ليسدنا موسى على ما فعل، بل القرآن يوثق الحادثة وحسب ليبين لنا أن أسئلتنا مشروعة، لكن إجابة بعضها قد تكون علية عصية، وقدر الله لا يأتي إلا بحكمة. إنه يعلمنا كيف نتعامل مع بعض الأسئلة التي يطيش لها العقل، فيبلسم الأسئلة الشائكة التي قد تعترينا حينما تصفعنا الحياة ببعض ما لديها.

مرارة عدم السؤال:
وفي حادثة التأبير الشهيرة ، نجد أن كارثة حدثت نتيجة عدم السؤال! ومختصر ما حدث هو أن النبي –صلى الله عليه وسلم- مر بقوم يؤبرون النخل (يلقحونه)، فقال لهم "لو لم تفعلوا لصلح". فالنبي صلى الله عليه وسلم مارس الرعي والتجارة، ولم يكن لديه خبرة في الزراعة، ظن كما يظن الكثيرون منا أن التمر يخرج من تلقاء نفسه دون تدخل بشري. لكن أهل الزراعة يعلمون أن يخرج شيصا (أي رديئا)، ولا بد من التلقيح كي يخرج التمر سليما وحلوا. لم يسأل القوم الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن الأمر، بل تركوا تلقيح النخل دون أن يستبينوا، فخرج شيصا! فلما مر بهم لاحقا قال: "ما لنخلكم؟" قالوا: "قلت كذا وكذا". قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم". وأمر الدنيا لا يستقيم دون سؤال. والزراعة حتما من الأمور الدنيوية وليست من الغيب الذي لا نقاش فيه، ويؤخذ كما هو. ومن هنا نتعلم أنه كان عليهم أن يسألوا كما سأل الحباب بن المنذر –رضي الله عنه- إذ قال للنبي –صلى الله عليه وسلم- يوم بدر: "أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخره؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟" ولو لم يسأل هذا السؤال، لما اقترح اقتراحه الذكي باحتكار مصادر المياه أثناء الموقعة.

معنى جديد للسؤال:

في سورة الضحى {وأما السائل فلا تنهر} والتفسير المعتاد هو السائل بمعنى الفقير الذي يسأل الناس حاجته. لكن وبالنظر إلى سياق الآيات أرى والله أعلم أن المقصود هو السائل المستفسر. فالله تعالى ذكر ثلاث نعم أنعم بها على نبيه، وبعدها ذكر ثلاثة أوامر تقابل هذه النعم.
1.فهو أواه بعد يتمه، ثم أوصاه ألا يقهم اليتيم.
2. وهداه بعد الضلالة {ووجدك ضالا فهدى}، وفي مقابلها أوصاه بألا ينهر السائل {وأما السائل فلا تنهر}.
3. ووجده عائلا فقيرا فأغناه، ثم أوصاه بأن يحدث بنعمة به ويظهرها.

والنعمة-الوصية الثانية تبين الترابط بين السؤال وبين الاهتداء. فإذا كانت هذه الأزواج الستة نعما ووصايا، فغالب الظن أن المقصود {وأما السائل فلا تنهر} هو السائل المستفسر لا الفقير.


السؤال صفة أهل الجنة!
في الجنة نُنقى من النقائص والصفات الشائهة التي كانت تلزمنا في إقامتنا الأرضية. وأهل الجنة يتساءلون: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ} (المدّثر:39-41). ولو كان السؤال نقيصة، فإنها لا تليق بأهل الجنة المبرئين، ولكان الله خلصهم منها قبل دخولهم. لكنها صفة نيّرة، بأسئلتهم وتفكرهم وصلوا إلى الله، فكيف يحرمهم الله من هذه الصفة؟ مغبون من حرم نفسه من هذه النعمة، ومغبون أكثر من لم يستخدمها ليصل بها إلى معرفة الله.

حياة الياقوت تصدر كتابها الأول

أصدرت الكاتبة الكويتية حياة الياقوت كتابها الأوّل بعنوان "من ذا الذي قدَّد البيان؟ أخطاء وخطايا لغوية مصوّرة".
وتقول الياقوت: "فكرة الكتاب لم تُطرح من قبل، فهو يرصد الأخطاء اللغويّة، والإملائيّة، والأخطاء في علامات الترقيم عن طريق استعراض صور لهذه الأخطاء التقطتُها من إعلانات ولافتات ومنشورات مع تصويب الخطأ وشرح القاعدة."
الكتاب يقع في 150 صفحة ملوّنة، وفي الفصل الأوّل منه -والذي أطلقت عليه الكاتبة اسم "مُختار الأخطاء"- عرضٌ لأهم الأخطاء اللغوية بشكل عام عن طريق استعراض إعلانات، ولافتات، وقصاصات من الصحف حوت أخطاءً لغوية مع تصويبها. أما الفصل الثاني فيناقش أهم الأخطاء الإملائيّة عن طريق عرض صور لهذه الأخطاء، ويعقب ذلك شرح تفصيلي لأهم القواعد الإملائية بأسلوب قصصي طريف. في حين يتناول الفصل الثالث وبتعمّق علامات الترقيم ويعدد استخدامات كل علامة والأخطاء الشائعة التي يقع فيها كثير من الناس.

ومن بين الأخطاء التي نبّهت إليها الكاتبة، خطأ لغوي في الدستور الكويتي، حيث ورد في المادة 107 عبارة "المجلس المنحل" والصحيح هو المجلس المحلول وبينت الياقوت الأمر قائلة: "مجلس الأمَّة -وفقًا للدستور الكويتي- لا يحل نفسه بنفسه، بل يُصدر مرسوم بحله. أي أننا نحتاج إلى اسم مفعول هنا، والفعل الذي سنشتق منه اسم المفعول هو الفعل الثلاثي "حلّ"َ وليس الفعل "انحل"ّ لأن الثاني يدل على الذاتية وأنّ المجلس يحل ذاته وهذا غير صحيح. واسم المفعول من الفعل الثلاثي يصاغ على وزن مفعول، فيكون لدينا اسم المفعول "محلول". وتضيف الياقوت "المشكلة الحقيقة هي أن هذه العبارة واردة في الدستور الكويتي المعروف بصعوبة تعديله، فهل ستبقى هذه الكلمة في نص الدستور أم سيتقدَّم بعض أعضاء مجلس الأمّة الشجعان بطلب تعديل لهذا الخطأ الفادح؟"

وعن سبب إصدار الكتاب تقول الياقوت: "إنها محاولة، إنها راية حمراء أرفعها، علامة استفهام أشهرها، لعلنا نعلم كيف أننا نقوم -بوعي أو بعدمه -، وكيف أننا نسمح -بجهل أو بتجاهل- بأن تُقدد أوصال لغتنا. هذا الكتاب وُلد لنعرف أننا جميعا شركاء ورقباء في حمل الرسالة قبل أن نقول: من ذا الذي قدَّد البيان؟"

ودشنت الياقوت كتابها يوم الإثنين 17 يوليو 2006 الساعة العاشرة والنصف صباحا في قاعة المناسبات التابعة لمبنى اتحاد الجمعيات التعاونية الاستهلاكية في منطقة حولي على الدائري الرابع. وحفل التدشين هذا يندرج تحت فعّاليات "منتقى الأوج للثقافة والفن 2006" والذي عقد يومي 17 و 18 يوليو من العاشرة والنصف صباحا وحتى العاشرة والنصف مساء ويتضمن فعاليات ثقافية وفنية متنوّعة تحت شعار "الشباب: عيون تبصر وعقول تتبصّر". كما أن الكاتبة شاركت يوم 18 يوليو الساعة 7 مساء وضمن فعاليات منتقى الأوج في ندوة بعنوان "تجارب ثقافية شبابية" تحدثت فيها عن الكتاب.

الطريق إلى التصاف

{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} (سورة الصف:، الآية 4)
ترى، ماذا بقي لنا كي نصل إلى هذه المرحلة، مرحلة البنيان المرصوص؟
بقي الكثير، الكثير. بقي علينا أن نتعلم كيف نقف بإحسان في صفوف الصلاة. وأعني بذلك أن نحرص ذاتيا على ذلك دون أن يتطوع بعضنا بالتذكير أنّ "إقامة الصف من حسن الصلاة"، ودون أن يكبّر الإمام، فينشغل أصحاب الصف بدعوة/استجداء من خلفهم كي يكلموا صفهم المليء بالثقوب، ودون أن يضطر أحد إلى جذب من هو بجانبه كي يعتدل الصف. على التصاف أن يغدو فعلا طوعيا، وهَمًّا ذاتيا، وعادةً نشعر بالانزعاج والغربة بل والإهانة دونها.

 وفي صلب هذا، الوقوف في الطابور الذي هو صف طولي بشكل أو بآخر. في هذه الأيام، وحين خروجنا من صلاة القيام، يتم  الخروج يتم في طابورين اثنين، وهذا أمر حدده حجم الباب. وهي عملية بطيئة نسبيا لأن الأحذية غير مرتبة (وهذه قضية أخرى آمل أن لا تُفتح شهيتي للحديث عنها!). وعلى يمين هذين الطابورين، ينتأ طابور ثالث يحاول –وتنجح رباته دائما- في الاندساس والخروج قبل الأخريات. هو مشهد شبيه بالسيارات التي تحاول الاندساس عند الالتفافات العكسية (يوتيرن) متخطية الدور. وثقافة الاندساس في الطابور تعني أننا على استعداد أن نضيع قيمة العدالة، وقيمة الاحترام؛ احترام الأسبقية والوقت.
في زيارة لي لمتحف "ڤيكتوريا أند ألبرت" في بريطانيا -وهو من أكبر المتاحف هنالك- كان الزحام شديدا نظرا لأهمية المتحف، ولأن الدخول مجاني، ولأن زيارتي كانت في موسم ازدحام. وحين دخولي لدروة المياه -أجلكم الله- وجدت النساء واقفات في صف واحد طويل يصل إلى مدخل الحمام الرئيس. وكلما خرجت واحدة، تقدمت من عليها الدور. بدا المشهد غريبا وسرياليا، خاصة أن ضمن الزائرات سائحات من دول شتى، لكنهن انصعن للجو العام. ورأيت هذا المشهد أيضا في حمام أحد متاجر التسوق الكبرى في أحد أيام نهاية الأسبوع.
فلنقارن هذا بحال حمام أي مجمع تجاري شهير لدينا في ذروة زحام نهاية الأسبوع. سنجد مشهدا طريفا. فثمة مجموعة ترابط عند كل باب بشكل شبه دائري، وحين تحين لحظة الدخول إما أن يكون الأمر بالتقام الفرصة بغض النظر عن أسبقية الوصول، أو بدعوة كل واحدة للأخرى وهو أمر ظاهره الشهامة وباطنه السخافة.
في مُصلى "الأڤنيوز" الواقع في الدور الأرضي قرب "پينكبيري" كانت لنا أيام! في عطلة نهاية الأسبوع، وفي صلاة المغرب تحديدا (نظرا لقصر وقتها)، نجد مثالا على حاجتنا المفجعة لتعلم ثقافة التصاف. دخول عشوائي، تخطٍ لرقاب المصليات، أحذية مهروسة قرب المدخل. ما ضرّ لو وقفت كل من لا تجد لها مكانا في طابور قرب الباب؟ وكلما خرجت واحدة، دخلت أختها. أظن أن الأمر ممكن، لو التزمت كل مصلية بوضع سُترة أمامها، ولو تم تنظيم الأمر بحجز مسافة على يمين المصليات أو يسارهن لتسهيل الخروج والدخول. هناك موظفة تجلس قرب المصلى (أظنها ضابطة أمن أو مسؤولة نظافة، لا أدري)، تجلس عاجزة تتفرّج على الفوضى.
لكن هل إذا طبقت إدارة المجمع هذه الفكرة التنظيمية ستنجح؟ أستصعب ذلك، أستبعد ذلك. لماذا؟ لأننا لا نُشّئنا في ثقافة لا تؤمن بالفرصة المتساوية والعدالة، بل بأخذ الحق باليد والذراع،  ثقافة لا تؤمن بالانتظار بل بالانتصار؛ الانتصار بالإجبار، والأهم من هذا كله، لا تؤمن بأن التصاف نوع من الإنصاف.  
يأمرنا تعالى أن نقاتل صفا, لكن واقع الحال أن وقفنا في صف قتال بحد ذاته؛ قتال للقيم والثقافة والقناعات والمألوفات. فسدد اللهم رمينا!